ابن حزم

207

رسائل ابن حزم الأندلسي

من الذين غدروا به يركضان حتى وردا مالقة ودخلا وهما يقولان : البشرى البشرى ، فلما وصلا إلى السطيفي وضعا سيوفهما عليه فقتلاه ( 1 ) ، ثم وافيا العسكر ، فاستخرجوا إدريس بن يحيى من محبسه ، فقدموه وبايعوه بالخلافة ، وتسمى بالعالي ، فظهرت منه أمورٌ متناقضة ، منها أنه كان أرحم الناس قلباً ، كثير الصدقة ، يتصدق كل يوم جمعة بخمسمائة دينار ، ورد كل مطرود عن وطنه إلى أوطانهم ، ورد عليهم ضياعهم وأملاكهم ، ولم يسع بغياً في أحد من الرعية ، وكان أديب اللقاء حسن المجلس ، يقول من الشعر الأبيات الحسان ، ومع هذا فكان لا يصحب ولا يقرب إلا كل ساقط نذل ، ولا يحجب حُرَمَهُ عنهم ، وكلُّ من طلب منه حصناً من حصون بلاده ممن يجاوره من صنهاجة أو بني يفرن أعطاهم إياه ، وكتب إليه أمير صنهاجة في أن يسلم إليه وزيره ومدبر أمره وصاحب أبيه وجده ، موسى بن عفان السبتي ، فلما أخبره بأن الصنهاجي طلبه منه وأنه لا بد له من تسليمه إليه ، قال له موسى بن عفان " افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين " ، فبعث به إلى الصنهاجي فقتله وكان قد اعتقل ابني عمه محمداً وحسناً ابني إدريس في حصن يعرف بأيرش ، فلما رأى ثقته الذي في الحصن اضطراب آرائه خالف عليه ، وقدم ابن عمه محمد بن إدريس ، فلما بلغ ذلك السودان المرتبين في قصبة مالقة ، نادوا بدعوة ابن عمه محمد بن إدريس ، وراسلوه في المجيء إليهم ، وامتنعوا بالقصبة ، فاجتمعت العامة إلى إدريس بن يحيى واستأذنوه في حرب القصبة والدفاع عنه ، ولو أذن لهم ما ثبت السودان ساعة من النهار ، فأبى وقال : الزموا منازلكم ودعوني ، فتفرقوا عنه ، وجاء ابن عمه فسلم إليه ، وبويع بالخلافة وتسمى المهدي ( 2 ) ، وولى أخاه عهده ، وسماه السامي . واعتقل ابن عمه إدريس العالي في الحصن الذي كان هو معتقلاً فيه ، وظهرت في محمد بن إدريس هذا رجلةٌ وجرأة شديدة هابه بها جميع البرابر ، وأشفقوا منه ، وراسلوا المرتب في الحصن الذي كان فيه إدريس بن يحيى واستمالوه ، فأجابهم وقام بدعوته . وكان إدريس بن يحيى هذا أول ولايته بعد قتل " نجا " قد ولى سبتة وطنجة رجلين برغواطيين من عبيد أبيه يسميان رزق الله وسُكات ( 3 ) ، فلما خلع كما ذكرنا بقيا حافظين لمكانهما ، فلما قام كما ذكرنا في حصن أيرش ، لم يظهر محمد بن إدريس

--> ( 1 ) انظر المصدر السابق . ( 2 ) البيان المغرب 3 : 292 . ( 3 ) أو سقوت : ويكتب بصور مختلفة ، وفي أخباره راجع البيان المغرب 3 : 250 وأعمال الأعلام : 141 وروض القرطاس : 104 وابن خلدون 6 : 184 والذخيرة 2 / 2 : 657 .